أحمد بن علي القلقشندي
111
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ينقبض عن كل ما يشينه ، وإذا خصّه بأثرة وتقريب أن يزيد الخاصّة والعامّة بشرا وإيناسا ، وإن اتهمه بهفوة لم ينته في إقامة العذر والاحتجاج على براءة الساحة إلى الغاية القصوى ، بل يتوسط في ذلك ويسأل من حسن الصّفح والإقالة وجميل التغمّد ( 1 ) والعفو ما يجعل للإحسان وجها ، ولتعقّبه للسخط سببا . فإنه إذا صدع بالحجة في براءة الساحة ، فلا وجه لمعذرته وفيه تكذيب لرئيسه ، وربما أدّى إلى فساد ومفاقمة . ومنها : التمسك بآداب الخدمة بالمواظبة عليها ، وصرف الاهتمام إليها ؛ إذ هي أعظم الذرائع إلى نيل الرتب وبلوغ المآرب ، والسبب الذي يقرّب البعداء ، ويرفعهم على أهل الوسائل والحرم ، وذوي المواتّ ( 2 ) والخدم ؛ ويعمي عن كل شين ، ويصمّ عن كل طعن . وما نال أحد عند السلطان مرتبة إلا والمواظبة على خدمته سببها والمواصلة موجبها . وأولى الناس بلزوم السلطان كتّابه الذين لا غنى به عن حضورهم ، في ليله ونهاره ، وأحيان شغله وفراغه : لأنه ربما بدهه ما يحتاج إلى استكفائه إيّاه وإسناده إليه ، وإن تأخر عنه في تلك الحال استدعى من موجدته واستجرّ من لائمته مالا يزيله العذر إلا في المدّة الطويلة . وربّما اضطرّ لغيبته إلى إحضار من يستكفيه ما عرض له وأدّى ذلك إلى اصطناعه وتصييره في مقامه وإن كان لا يساويه في فضل ولا علم ولا غناء ، بخلاف ما إذا وجده مسارعا إلى أمثلته ؛ فإن ذلك يزيد في حظوته ، ويدعو إلى استخلاص مودّته . فيجب عليه أن يخصّ سلطانه من زمانه بالقسم الأوفر ، والنصيب الأغزر ، ولا يؤثر نيل لذة عليه ، ولا بلوغ وطر إذا أدّى إلى تنكَّره ؛ فإن استطاع أن يوافقه على وقت يفرضه له يتمكن فيه من بلوغ أوطاره ، والوصول إلى مقاصده ، كان أحمد لعاقبته ، وأبلغ لقصده ، وأحسم لأسباب اللائمة في
--> ( 1 ) التغمّد : الستر ، من قولهم : تغمده اللَّه برحمته أي ستره . ( 2 ) جمع ماتّه وهي الحرمة والوسيلة . ( اللسان 2 / 88 ) .